وصف الله - تبارك وتعالى - المتقين الذين يستحقون الجنة برحمته في قوله - تعالى -: {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} . 1. فجعل من صفاتهم التي يرتضيها لهم أنهم يكظمون الغيظ، ويعفون عمن ظلمهم قال العلامة الشنقيطي - رحمه الله تعالى -: "وقد دلت هذه الآية على أن كظم الغيط والعفو عن الناس من صفات أهل الجنة ، وكفى بذلك حثاً على ذلك، ودلت أيضاً: على أن ذلك من الإحسان الذي يجب الله المتصفين به. 2."، وقال الإمام الطبري - رحمه الله - في قوله: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ} يعني: والجارعين الغيظ عند امتلاء نفوسهم منه، يقال منه: "كظم فلان غيظه" إذا تجرعه، فحفظ نفسه من أن تمضي ما هي قادرة على إمضائه باستمكانها ممن غاظها، وانتصارها ممن ظلمها، وأصل ذلك من"كظم القربة" يقال منه: "كظمت القربة" إذا ملأتها ماء، و"فلان كظيم ومكظوم" إذا كان ممتلئاً غماً وحزناً ؛ ومنه قول الله - عز وجل -: {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ} .3. يعني: ممتلئ من الحزن، ومنه قيل لمجاري المياه: "الكظائم" لامتلائها بالماء؛ ومنه قيل: "أخذت بكظمه" يعني: بمجاري نفسه. 4."؛ وقال ابن عباس - رضي الله عنه - في قوله: "{وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ} إلى {وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} فـ"الكاظمين الغيظ" كقوله: {وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ}.5. يغضبون في الأمر لو وقعوا به كان حراماً فيغفرون ويعفون، يلتمسون بذلك وجه الله {وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} كقوله: {وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ}.6. إلى: {أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ}. 7.يقول: لا تقسموا على أن لا تعطوهم من النفقة شيئاً واعفوا واصفحو.8."، وقال قتادة - رحمه الله - في قوله: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}.9.: "قوم أنفقوا في العسر واليسر، والجهد والرخاء، فمن استطاع أن يغلب الشر بالخير فليفعل، ولا قوة إلا بالله، فنعمت والله يا ابن آدم الجرعة تجترعها من صبر وأنت مغيظ، وأنت مظلوم-10."، وقال الألوسي - رحمه الله - في قوله - تعالى -: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ}: "أصل الكظم شد رأس القربة عند امتلائها، ويقال: فلان كظيم أي ممتلىء حزناً، والغيظ هيجان الطبع عند رؤية ما ينكر، والفرق بينه وبين الغضب على ما قيل: إن الغضب يتبعه إرادة الانتقام البتة، ولا كذلك الغيظ، وقيل: الغضب ما يظهر على الجوارح والبشرة من غير اختيار، والغيظ ليس كذلك، وقيل: "هما متلازمان إلا أن الغضب يصح إسناده إلى الله - تعالى -، والغيظ لا يصح فيه ذلك"، والمراد والمتجرعين للغيظ الممسكين عليه عند امتلاء نفوسهم منه فلا ينقمون ممن يدخل الضرر عليهم، ولا يبدون له ما يكره، بل يصبرون على ذلك مع قدرتهم على الانفاذ والانتقام، وهذا هو الممدوح -11".
وقال القطان في قوله - تعالى -: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ} أي: الذين يمسكون أنفسهم عن الانتقام مع القدرة عليه؛ ثم أردف - تعالى - بمزية عظيمة أخرى وهي قوله: {وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} أي: الذين يتجاوزون عن ذنوب الناس، ويتركون مؤاخذتهم مع القدرة على ذلك، وتلك منزلة من ضبط النفس وملك زمامها قلَّ من يصل إليها، وهي أرقى من كظم الغيظ، إذ ربما كظم المرء غيظه على الحقد والضغينة، فالله - سبحانه وتعالى - يريدنا أن نكظم غيظنا، ونعفو عن الناس، وننسى إساءتهم- 12".
ومن القصص التي رويت في كظم الغيظ ما ذكره القرطبي - رحمه الله - عن ميمون بن مهران - رحمه الله -: "أن جاريته جاءت ذات يوم بصحفة فيها مرقة حارة، وعنده أضياف، فعثرت فصبت المرقة عليه، فأراد ميمون أن يضربها، فقالت الجارية: يا مولاي استعمل قول الله - تعالى -: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ}، قال لها: قد فعلت، فقالت: أعمل بما بعده: {وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ}، فقال: قد عفوت عنك، فقالت الجارية: {وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}، قال ميمون: قد أحسنت إليك، فأنت حرة لوجه الله - تعالى - 13".
وقد ورد في السنة في فضل كظم الغيظ أحاديث كثيرة منها:
- عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ما تجرع عبد جرعة أفضل عند الله - عز وجل - من جرعة غيظ يكظمها ابتغاء وجه الله - تعالى -)) 14.
- وعن سهل بن معاذ عن أبيه - رضي الله عنهما -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله - عز وجل - على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره الله من أي الحور العين شاء)) 15.
- وعن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: ((ما خُيِّر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثماً، فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها)) 16.
فهذا بعض ما ورد في فضل كظم الغيظ والعفو، وقد ورد في القرآن جواز الانتقام ممن اعتدى والمعاقبة بالمثل.
وورد كذلك في فضل كظم الغيظ والعفو والصفح آيات مما يوهم التعارض والاضطراب، وقد فصل القول في ذلك العلامة المفسر الإمام الشنقيطي - رحمه الله تعالى - فقال: "قوله - تعالى -: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} - 17الآية, هذه الآية تدل على طلب الانتقام, وقد أذن الله في الانتقام في آيات كثيرة كقوله - تعالى -: {وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ* إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ} -18الآية, وكقوله: {لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ} 19-, وكقوله: {ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ} , 20الآية, وقوله: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ}. 21, وقوله: {وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} 22, وقد جاءت آيات أخر تدل على العفو وترك الانتقام كقوله:
والجواب عن هذا بأمرين:
أحدهما: أن الله بيَّن مشروعية الانتقام ثم أرشد إلى أفضلية العفو ويدل لهذا قوله - تعالى -: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ}- 27, وقوله: {لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ}- 28, أذن في الانتقام بقوله:{إِلاَّ مَن ظُلِمَ} -29, ثم أرشد إلى العفو بقوله: {إِن تُبْدُواْ خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوَءٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً}-30.
الوجه الثاني: أن الانتقام له موضع يحسن فيه, والعفو له موضع كذلك, وإيضاحه أن من المظالم ما يكون في الصبر عليه انتهاك حرمة الله, ألا ترى أن من غصبت منه جاريته مثلاً إذا كان الغاصب يزني بها فسكوته وعفوه عن هذه المظلمة قبيح وضعف وخور, تنتهك به حرمات الله, فالانتقام في مثل هذه الحالة واجب, وعليه يحمل الأمر {فَاعْتَدُواْ} الآية, أي كما بدأ الكفار بالقتال فقتالهم واجب, بخلاف من أساء إليه بعض إخوانه من المسلمين بكلام قبيح ونحو ذلك فعفوه أحسن وأفضل, وقد قال أبو الطيب المتنبي:
إذا قيل حلم قل فللحلم موضع ** وحلم الفتى في غير موضعه جهل -
هذا وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين
م / ن
[]
2 أعضاء قالوا شكراً لـ أمة الله على المشاركة المفيدة:
اللهم أجعلنا من الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس
ومثل هذا الخُلق يحتاج منا إلى مجاهده للوصول إلى هذه المرتبه ويكفي أنها من صفات أهل الجنة كما ذكر الشنقيطي اعلاه ..
القوي ليس من قدر على غيره ولكن القوي من قدر على نفسه
وخير القدرة هى أن تملك نفسك عند الغضب وتعفو عمن ظلمك أو أخطأ فى حقك وتسامحه فبعفوك هذا عنه وأنت قادر على رد الإساءة إليه أو معاقبته تكسبه وتحول إساءته لك وغلطه فيك لمحبة وحسن معاملة
وتكون من أصحاب الفضل
فهم ثلاث منهم العافين عن الناس والكاظمين الغيظ وهم أول من يدعون يوم القيامة ويدخلهم الله تعالى الجنة بلا حساب
اللهم إجعلنا منهم
دعوة لتصفية القلوب وياريت نشرها ونجددها مع نفسنا دائما "سامحتك من غير علمك فسامحنى حتى لو لم تعرفنى ... سامحنى حتى لو أنك تعتقد بأنه ليس هناك داع لتسامح فقط سامحنى ... أريد منك الدعاء الخالص من القلب ... قل اللهم أيما إمرئ شتمنى أو أذانى أو نال منى اللهم إنى عفوت عنه اللهم فأعفو ... اللهم إنى عفوت عن عبادك فأجعل لى مخرج أن يعفو عبادك عنى ... اللهم أنت السميع العليم تعلم مابى وما على ... اللهم إنى أرجو نجاة مما أنا فيه وأنت أرحم الراحمين"
التعديل الأخير تم بواسطة قناص الشمال ; 24-Aug-2010 الساعة 10:34 PM.
ضبط النفس عندالغضب من اشد الامور صعوبه
واعتقد من النوادر من تجد شخص لديه هذه القدره
اويتميز بهذه الصفه
ومن الاشد ان تجد من يكظم غيظه ويعفو
لذلك من لديه هذه الصفات يصنف من المحسنين وجعل ثوابه الجنه كما ذكره الله سبحانه وتعالى
قال تعالى -: {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}
بارك الله فيك
طرح قيم
إذا خنقكْ دُخان الألم ، فَأفتح نافذة الدُعاء لِيتجّدد الهواءْ